أحمد بن محمد القسطلاني
46
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عسى الله يهدينا جميعًا بفضله . . . إلى سُنّة المختار رأس الأكارم وصلى على المختار الله ربنا . . . يقارنها التسليم في حال دائم وآل له والصحب مع تبع لهم . . . يقفون آثارًا أتت بدعائم بتكرير ما يبدو وتضعيف عدّه . . . وفي بدئها والختم مسك الخواتم وقد آن أن أشرع في الشرح حسبما قصدته ، على النحو الذي في الخطبة ذكرته ، مستعينًا بالله ومتوكلاً عليه ومفوّضًا جميع أموري إليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . بسم الله الرحمن الرحيم 1 - كتاب بدء الوحي قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ . ( قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى ) : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ) الباء متعلقة بمحذوف قدّره البصريون اسمًا مقدمًا ، والتقدير ابتدائي كائن أو مستقر . وقدره الكوفيون فعلاً مقدمًا والتقدير أبدًا ، فالجار والمجرور في الأول في موضع رفع وفي الثاني نصب . وجوّز بعضهم تقديره اسمًا مؤخرًا أي بسم الله ابتدائي أي الكلام . وقدّره الزمخشري فعلاً مؤخرًا أي بسم الله أقرأ أو أتلو لأن الذي يتلوه مقروء وكل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له ، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال بسم الله كان المعنى بسم الله أحل وبسم الله أرتحل ، وهذا أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه ويدل عليه ، أو ابتدائي لزيادة الإضمار فيه ، وإنما قدر المحذوف متأخرًا وقدم المعمول لأنه أهم وأدل على الاختصاص ، وأدخل في التعظيم أوفق للوجود . فإن اسم الله تعالى مقدم على القراءة ، كيف وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يعتد به شرعًا ما لم يصدر باسمه تعالى ، لحديث " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك } [ العلق : 1 ] ، فلأن الأهم ثمة القراءة ، ولذا قدّم الفعل فيها على متعلقه بخلاف البسملة ، فإن الأهم فيها الابتداء . قاله البيضاوي وغيره وتعقب بأن تقدير النحاة أبتدىء هو المختار ، لأنه يصح في كل موضع ، والعامّ تقديره أولى . ولأن تقدير فعل الابتداء هو الغرض المقصود من البسملة ، إذ الغرض منها أن تقع مبتدأة موافقة لحديث " كل أمر ذي بال " . وكذلك في كل فعل ينبغي أن لا يقدّر فيه إلا فعل الابتداء ، لأن الحض جاء عليه . وأيضًا فالبسملة غير مشروعة في غير الابتداء ، فلما اختصت بالابتداء وجب أن يقدر لها فعل الابتداء . وأجيب بأن تقدير الزمخشري أولى وأتم شمولاً لاقتضائه أن التسمية واقعة على القراءة كلها مصاحبة لها ، وتقدير أبدأ يقتضي مصاحبتها لأوّل القراءة دون باقيها . وقوله إن الغرض أن تقع التسمية مبدأ نقول بموجبه ، فإن ذلك يقع فعلاً بالبداءة لها لا بإضمار فعل الابتداء ، ومن بدأ في الوضوء بغسل وجهه لا يحتاج في كونه بادئًا إلى إضمار بدأت ، والحديث الذي ذكره لم يقل فيه كل أمر لا يقال فيه أبدأ وإنما أريد طلب إيقاعها بالفعل لا بإضمار فعلها ، وأما دلالة الحديث على طلب البداءة فامتثال ذلك بنفس البداءة لا بلفظها . واختلف هل الاسم عين المسمى أو غيره ، واستدل القائلون بالأوّل بنحو { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم } [ الواقعة : 74 ، 96 ] و [ الحاقة : 52 ] و { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } [ الأعلى : 1 ] فأمر بتسبيح اسم الله تعالى ، والمسبح هو الباري ، فاقتضى أن اسم الله تعالى هو هو لا غيره . وأجيب بأنه أشرب سبح معنى اذكر ، فكأنه قال اذكر اسم ربك . وتحقيق ذلك أن الذات هي المسمى والزائد عليها هو الاسم ، فإذا قلت عالم فهناك أمران ذات وعلم ، فالذات هو المسمى والعلم هو الاسم . فإذا فهم هذا فالأسماء منها ما هو عين المسمى ومنها ما هو غيره ، ومنها ما يقال فيه لا عين ولا غير ، فالقسم الأوّل مثل موجود وقديم وذات ، فإن الموجود عين الذات وكذا القديم . والقسم الثاني مثل خالق ورازق وكل صفات الأفعال ، فإن الفعل الذي هو الاسم غير الذات ، والقسم الثالث مثل عالم وقادر وكل الصفات الذاتية ، فإن الذات التي هي المسمى لا يقال في العلم الذي هو الاسم أنه غيرها ولا عينها . هذا تحقيق ما قاله الأشعري في هذه المسألة وما نقل عنه خلاف هذا فهو خبط ، كذا رأيته منسوبًا للعلاّمة البساطي من أئمة المالكية ، ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد في باب السؤال